من مختارات أبي حكيم في الجمعة المائتين والثانية و الثمانين ( 282) في تعداد الجمع ، والتاسعة والعشرين ( 29) في عام ( 1439هـ ) وتوافق ( 20/ 7 / 1439 هـ ) بحسب التقويم .
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله : قبل ست وخمسين سنه كتب الطبيب والسياسي عبدالسلام العجيلي مقالاً أرى نتائجه تلوح في الأفق فهل نفيق ، وهل نتدارك ؟
، والعجيلي أديب وكاتب سوري ولد في مدينة الرقة سنة (1918 )، وعمل في الطب و السياسة إضافة للأدب . درس في الرقة و حلب و دمشق وتخرج من جامعة دمشق – طبيباً عام ( 1945). انتخب نائباً عن الرقة عام ( 1947). تولى عدداً من المناصب الوزارية في وزارة الثقافة و الوزارة الخارجية والإعلام عام (1962) ، توفي في عام ( 2006 م) ودفن في الرقة- ، كتب في كتابه ( جيل الدربكة ، آراء في العلم والفكر والسياسة ) وهو مجموعة مقالات نافت عن الخمسين بقليل ، كان نشرها في دورية تصدر من بيروت من عام ( 1963 حتى 1973 ) ثم جمعها في هذا الكتاب كجزء أول يأمل أن يتبعه أُخَر ، – ولا أدري أفعل أم لا – وطبعته دار رياض الريس للكتب والنشر ، الطبعة الأولى ( 1990) ، ومما جاء فيه هذا المقال : صيني وعربي ، نشره في ( 30 / 3 / 1970 م) قال فيه (باختصار يناسب المقام ويوصل الفكرة ) : لست أذكر القصة بحرفيتها ولكن هذا مؤداها :
روى أحد الكتاب الفرنسيين أنه كان عنده في باريس طاه صيني ، أيام كانت الحرب دائرة بين الصين واليابان على أرض الصين ، منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وكانت الجرائد تحمل أخبار تلك الحروب في كل صباح ، بعناوين مثيرة ، وفيها تبدو الغلبة لليابانيين مستمرة ، ولاحظ الفرنسي أن طاهيه يتابع الأخبار باهتمام زائد .
قرأ في اليوم الأول أن معركة دائرة بين الجانبين المتقاتلين انتهت بمقتل مائتي صيني مقابل ثمانين يابانيا ، وفي اليوم التالي نقلت الأخبار أن اليابانيين تفوقوا على خصومهم تفوقا كبيرا بأن أفنوا منهم أكثر من أربعمائة جندي ولم يخسروا هم إلا تسعين مقاتلا . وكانت النسبة بين الطرفين في اليوم الثالث مقاربة لهذه .
وهكذا كل يوم كانت الأخبار سيئة عن الصينيين ، إذ تفوق خسائرهم خسائر اليابانيين بكثير .
قال الكاتب الفرنسي : وأشفقت على الطاهي وأنا أرى الصحف لا تنقل إليه غير أنباء الخسارة المتتابعة لبني قومه ، وفي ذات يوم نقلت الصحف أن الصينيين خسروا نحوا من خمسمائة جندي في التحام لم يخسر فيه اليابانيون أكثر من مائة من جنودهم ، فظننت أن طباخي قد ركبه الهم واعتصر قلبه الألم لهذا الخبر .
ولكني لم أر أثرا للحزن على ملامحه ، بل رأيته يفرك يديه بفرح ، وهو يقول لي بفرنسيته المهشمة :
قريبا ينتهي اليابانيون … لن يبقى منهم واحد على وجه الأرض …
يبدو لنا مغزى هذه القصة واضحا حين نذكر أننا مثل الصينين في تلك الأيام ، نخوض اليوم معركة ضارية ضد عدو قليل عدده بالنسبة إلينا ، عدا نقاط ضعفه الأخرى ، إنه مغزى يدعو إلى التفاؤل …
نعم إن التفاؤل هو مغزى قصة الطاهي الصيني ، إذا طبقت على واقع معركتنا مع الصهيونية والصهيونيين .
ولكن التفاؤل ليس إلا حالة نفسية تستند في هذه القصة إلى حقيقتين ثابتتين ، ونفترض أنها تظلان ثابتتين ، أولى الحقيقتين هي كون عددنا كبيرا يفوق عدد الإسرائيليين مرات كثيرة ، وثانيتهما : كوننا صامدين في المعركة رغم خسائرنا المتوالية فيها ، وليس عدونا غبيا ليجهل أو يتجاهل هاتين الحقيقتين .
لذا فإن همه الخفي منصرف إلى إزالة هاتين الحقيقتين من الوجود ، أكثر من انصرافه إلى تسجيل انتصاراته المؤقتة علينا وإنزال الخسارات المتعددة بنا .
كيف يتسنى لإسرائيل أن تزيل من الوجود هاتين الحقيقتين ، ولا سيما حقيقة تفوقنا العددي ، وهي حقيقة حسابية لا يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها ؟ .
أمام ثلاثة ملايين إسرائيلي نحن ( مائة مليون ) عربي شرط أن نكون حقا ( مائة مليون عربي ) !!! *
أعني ( مائة مليون ) ينظرون إلى اتجاه واحد ويسيرون في اتجاه واحد ، فيما يتعلق بقضيتهم المصيرية الأولى ، قضية صراعهم مع إسرائيل والصهيونية .
أما إذا انشغل العرب بما يوزع نظرتهم ويفرق سيرهم عن هدفهم الأوحد ،فإنهم ينقسمون إلى عدد من الأمم بعدد وجهات النظر واتجاهات السير ، وهذا الأمر الأخير هو الذي تعمل له إسرائيل بقواها الخفية وإمكاناتها الضخمة ، إنها تعمل ليل نهار على تقسيم العرب في مغاربهم ومشارقهم إلى شعوب وقوميات ومحاور وطوائف وأحزاب ، فوق انقسامهم إلى دول وأقطار .
وفي حساب إسرائيل أنها حين تبلغ غايتها هذه تتحول كتلة ( المائة مليون ) عربي المخيفة إلى مجموعات متعددة ، لكل مجموعة ما يلهيها ويشغلها ، وكل مجموعة لا تكاد توازي حتى في عدد الأفراد مجموعة الغاصبين المحتلين لأرضنا المقدسة .
تلك غاية إسرائيل وتلك وسائلها إلى إزالة حقيقة التفوق العربي ضدها ، ونحن أترانا أتحنا لإسرائيل أن تبلغ غايتها تلك ؟
والجواب عن هذا السؤال لدى كل عربي ، فينظر إلى ضميره ليرى المدى الذي انشغل فيه بذاته .
و لينظر كل عربي ليميز بين الدعوات التي تنطلق في كل مكان ، تلك المبطنة برغبة العدو لتمزيق شمل أمته وشغلها بقضايا ثانوية أو هامشية عن القضية الكبرى .
فإن كان الجواب سلبا .
حين ذلك يصبح العربي مهما سمع من أخبار الخسائر النازلة بجسد أمته أن يتعزى بأنها خسائر نازلة بجسد متسع يستطيع أن يتحملها ويتداركها ، بخلاف الخسائر التي تنزل بجسد عدوه الهش الضئيل.
وحين ذلك فقط يصح للعربي أن يتفاءل وهو يحسب أنه على المدى الطويل والتسلح بالحق والدفاع عنه ، سيكون قادرا أن يفرك يديه في ثقة واطمئنان وهو يقول قولة الطاهي الصيني عن عدوه:
قريباً تنتهي إسرائيل ، ولن يبقى في أرضنا المسلوبة من الغاصبين نافخ نار ! .
*كان هذا الإحصاء للعرب في منتصف القرن العشرين وفي إحصاء عام (2000) زاد العرب ضعفين ، حوالي (284 ) مليون نسمة
أما اليهود في فلسطين في إحصاء عام ( 2006 ) فقدر عددهم بخمسة ملايين وثلث تقريبا .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
لمشاركة المقالة على حسابكم الإجتماعي
Twitter
Facebook